ابن حجر العسقلاني
309
فتح الباري
للجميع والتعبير خاص بتفسير الرؤيا وهو العبور من ظاهرها إلى باطنها وقيل النظر في الشئ فيعتبر بعضه ببعض حتى يحصل على فهمه حكاه الأزهري وبالأول جزم الراغب وقال أصله من العبر بفتح ثم سكون وهو التجاوز من حال إلى حال وخصوا تجاوز الماء بسباحة أو في سفينة أو غيرها بلفظ العبور بضمتين وعبر القوم إذا ماتوا كأنهم جازوا القنطرة من الدنيا إلى الآخرة قال الاعتبار والعبرة الحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ليس بمشاهد ويقال عبرت الرؤيا بالتخفيف إذا فسرتها وعبرتها بالتشديد للمبالغة في ذلك وأما الرؤيا فهي ما يراه الشخص في منامة وهي بوزن فعلى وقد تسهل الهمزة وقال الواحدي هي في الأصل مصدر كاليسرى فلما جعلت اسما لما يتخيله النائم أجريت مجرى الأسماء قال الراغب والرؤية بالهاء إدراك المرء بحاسة البصر وتطلق على ما يدرك بالتخيل نحو أرى أن زيدا مسافر وعلى التفكر النظري نحو اني أرى ما لا ترون وعلى الرأي وهو اعتقاد أحد النقيضين على غلبة الظن انتهى وقال القرطبي في المفهم قال بعض العلماء قد تجئ الرؤية بمعنى الرؤيا كقوله تعالى وما جعلنا الرؤيا التي أريناك الا فتنة للناس فزعم أن المراد بها ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء من العجائب وكان الاسراء جميعه في اليقظة قلت وعكسه بعضهم فزعم أنه حجة لمن قال أن الاسراء كان مناما والأول المعتمد وقد تقدم في تفسير الاسراء قول ابن عباس إنها رؤيا عين ويحتمل أن تكون الحكمة في تسمية ذلك رؤيا لكون أمور الغيب مخالفة لرؤيا الشهادة فأشبهت ما في المنام وقال القاضي أبو بكر ابن العربي الرؤيا إدراكات علقها الله تعالى في قلب العبد على يدي ملك أو شيطان إما بأسمائها أي حقيقتها وإما بكناها أي بعبارتها وإما تخليط ونظيرها في اليقظة الخواطر فإنها قد تأتي على نسق في قصة وقد تأتي مسترسلة غير محصلة هذا حاصل قول الأستاذ أبي إسحاق قال وذهب القاضي أبو بكر بن الطيب إلى أنها اعتقادات واحتج بان الرائي قد يرى نفسه بهيمة أو طائرا مثلا وليس هذا إدراكا فوجب أن يكون اعتقادا لان الاعتقاد قد يكون على خلاف المعتقد قال ابن العربي والأول أولى والذي يكون من قبيل ما ذكره ابن الطيب من قبيل المثل فالادراك انما يتعلق به لا بأصل الذات انتهى ملخصا وقال المازري كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا وقال فيها غير الاسلاميين أقاويل كثير منكرة لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل ولا يقوم عليها برهان وهم لا يصدقون بالسمع فاضطربت أقوالهم فمن ينتمي إلى الطب ينسب جميع الرؤيا إلى الاخلاط فيقول من غلب عليه البلغم رأى أنه يسبح في الماء ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجو وهكذا إلى آخره وهذا وان جوزه العقل وجاز أن يجري الله العادة به لكنه لم يقم عليه دليل ولا اطردت به عادة والقطع في موضع التجويز غلط ومن ينتمي إلى الفلسفة يقول إن صور ما يجري في الأرض هي في العالم العلوي كالنقوش فما حاذى بعض النقوش منها انتقش فيها قال وهذا أشد فسادا من الأول لكونه تحكما لا برهان عليه والانتقاش من صفات الأجسام وأكثر ما يجري في العالم العلوي الاعراض والاعراض لا ينتقش فيها قال والصحيح ما عليه أهل السنة أن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان فإذا خلقها فكأنه جعلها علما على أمور أخرى يخلقها في ثاني الحال ومهما وقع منها على خلاف المعتقد فهو كما يقع لليقظان ونظيره أن